| ]




لو أننا نزلنا على المريخ فوجدنا جنساً راقياً من المخلوقات في مصاف الأنبياء و الملائكة و السوبرمان .. مخلوقات سامية نحن بالنسبة لها كالقرود بالنسبة للآدميين ..

مخلوقات من لحم و دم و لكن لحمها من مادة راقية أخرى غير مادة البروتين ، و عِظامها من غضاريف رقيقة ، أرق من غضاريف الحمام .. و دمها من مواد ممتازة .. شربات أو لبن حليب أو سائل مُشِع نوراني .. 
و من يأكل من لحم هذه المخلوقات يصبح محصناً من المرض ، منيعاً على الموت .. و يطول عمره حتى يصبح ألف عام .. و تتحقق له حياة سعيدة لا يشكو فيها عِلّة .

لو أننا اكتشفنا هذا ماذا يكون حكمنا على مَنْ يقتل هذه المخلوقات و يأكلها من بني الإنسان ؟

هل نعتبر هذا العمل إنسانية ؟

أعتقد أن صيد هذه المخلوقات و ذبحها و بيعها و تصديرها و الإتجار بها و تعليبها و تثليجها و تحويلها إلى عصير .. و مستخلصات .. و طبخها بالصلصة و شيِّها على السيخ و كل صنوف التدمير و العدوان التي يمكن أن نُلحِقها بها تكون منتهى الإنسانية .

بل إن ذبحها و توزيعها في عدالة ليفوز بها كل إنسان على ظهر الكرة الأرضية يكون واجباً أصيلاً محتماً .
و إعلان الحرب عليها يكون هو الشهامة مجسَّمة .
و الموت في سبيل صيدها و قتلها يكون هو الشهادة .
و لن يكون في أي عمل من هذه الأعمال العدوانية القبيحة مجافاة لمعنى الإنسانية .

فالإنسانية جوهرها هي كل ما يتحقق به الصالح العام لبني الإنسان .. و الصالح العام لبني الإنسان هنا واضح لا لبس فيه .
الصالح العام هو أن نلتهم هذه السلالة من المخلوقات أولاً بأول .
و نزدردها ازدراداً .. لنقوَى .. و نخلُد .. و نزداد بأساً .

إنها حكاية لن تختلف كثيراً عن أكل الدجاج .. و السمك .. و الجمبري .. و سوف يكون من واجب الدولة أن توفر لنا هذا الطعام الواقي كما تسعى الآن إلى توفير كوب اللبن لكل طفل في الجمهورية .

بل إن هذه الحرب سوف تكون وسيلتنا إلى تحقيق سلام دائم على الأرض لأننا سنعالج بها الجوع و الفقر و المرض و الموت .. و ننشر ألوية السعادة على الأرض بالفعل .

ماذا يعني هذا .. ؟!!

هذا يعني أن الكلمات الكبيرة التي تتصف بالشمول و القداسة .. كالإنسانية .. و الشرف .. و السلام .. سوف تتغير معانيها حينما نقتحم الأفلاك و نغزو الكون و تتحول إلى كلمات محدودة محلية لا تختلف كثيراً عن الأنانية .. و الإثرة .. و البُخل .. هذه الكلمات التي تقترن دائماً بالأعمال المرذولة .
فكل معنى من هذه المعاني الرفيعة سوف يقترن بأنواع من العدوان .

سوف يقتضي ولاؤنا لجنسنا الإنساني أن نُخضِع أي جنس آخر نعثر عليه و نستغله لصالحنا .. و لن نعرف للرحمة معنى .. 
لأن الرحمة و السلام و التسامح مع مثل هذه الأجناس الأقوَى .. معناها أن نصبح خدماً لها .. و نتحول في حضرتها إلى كلاب و إلى أشياء منحطّة كالقرود .. 
معناها أن نضع أنفسنا في حظائر .. و زنازين .. و حدائق " إنسان " مثل حدائق الحيوان عندنا .. ليتفرج علينا الجميع .

و غريزة البقاء و المحافظة على النفس سوف تدفعنا لأن نقتل هذه الأجناس .. و سوف يكون هذا القتل منتهى الإنسانية بالنسبة لنا و منتهى السلام بالنسبة لجنسنا المهَدَد بالإستعباد .


و هذا هو ما يحدث في التاريخ لأي كلمة و لأي حقيقة .

كلما اتسع مدار التاريخ و كلما تقدمت عربة التطور .. تتغير معاني الكلمات و تنقلب إلى نقيضها .

الولاء للعائلة كان فضيلة ثم أصبح شيئاً سَمِجاً إسمه العصبية العائلية .. ثم أصبح جريمة حينما اصطدم بمصلحة الوطن الأكبر .. أصبح شيئاً كالأنانية .

ما كان يفعله فرغلي .. و البدراوي .. و لملوم لصالح عائلاتهم .. أصبح في إطار الصالح الوطني العام عملاً غير مشروع .

تغيرت معاني الكلمات لأن التاريخ خطا خطوة إلى الأمام .. و التطور انتقل من العائلة .. إلى القبيلة .. إلى الأمّة .. إلى القومية .. 
و هو في طريقه إلى العالمية .. ثم هو سوف ينطلق عبر الفضاء إلى الكون الفسيح .. 
و سوف تكون هذه الخطوة هي آخر عهدنا بالمقدسات الكبرى التي نرددها في رهبة .. مثل الإنسانية ..
سوف نخطو عبر هذه الكلمات .. و سوف نجد أنها غير أخلاقية .. و سوف نحاول أن نعلو عليها لنحقق وحدة اجتماعية أكثر شمولاً ..
جبهة الأرض و القمر و المريخ و الزهرة مثلاً .. الإتحاد الأعلى للمجموعة الشمسية .. المجلس المِلّي الكوني .. هيئة الأفلاك و المجرة و التِبانة المتحدة .. 

و سوف تكون الإنسانية في هذا المفهوم الواسع .. كلمة رجعية .. و تعصُباً أعمَى ، مثل التعصب للعائلة و القبيلة .. شيئاً سمجاً غبياً ، يؤدي إلى الحرب و القتال و العدوان .

و سوف توجد موضوعات للحب أرقَى بكثير من حب المرأة ..
سوف نضحي بصالح جيشنا الإنساني إذا أردنا أن نحقق وحدة أوسع و أشمل بينه و بين سائر الأجناس الفلكية الأخرى لنرتقي بجنسنا ..

سوف يصبح زواج المرأة و الرجل عنصرياً رجعياً غير مشروع ، و لن يُعتبَر مشروعاً إلا زواج بجِنيّة فضائية حتى نضع البذور الأولى لخروج أجيال جديدة راقية .. و حتى نرتقي بجنسنا البشري .. 

إن أول صاروخ اخترق الفضاء لم يحمل معه الكلبة لايكا فقط .. و إنما حمل معه أقدس ما عندنا من معانٍ .. و أشرف ما عندنا من كلمات .. و ألقى بها في الفضاء .

و مع كل صاروخ ينطلق و يدور تتغير معاني هذه الكلمات .. مع كل أرض جديدة نغزوها .. و كوكب جديد ننزل عليه سوف نحتاج إلى دساتير خلُقية جديدة و وصايا عشر جديدة .. و معانٍ جديدة نعيش عليها .

هل سيكون بإمكاننا أن نلاحق هذه النهضة المادية السريعة بنهضة روحية تلائمها .. ؟

هل سيكون بإمكاننا أن نغير مفاهيمنا و عقولنا بنفس الصورة التي نُغير بها أدواتنا المادية ؟

إن تطوير أدواتنا المادية أمر سهل .. أن نركب حنطوراً بدل الحصان .. أو عربة بدل الحنطور .. أو طائرة بدل العربة .. أمر سهل .
أما أن نستعمل أدوات عقلية جديدة .. و نفكر بمنطق جديد .. و نعيش بمقدسات جديدة و عقائد روحية جديدة .. فهو الأمر الشاق .

و العقبات التي تعترض رجل الفضاء ليست هي اختلاف الضغوط و درجات الحرارة .. و انعدام الهواء .. و انعدام الوزن ..
و إنما هو لحظة نزوله على الكواكب سوف يكتشف ما هو أهم من انعدام الوزن .. سوف يكتشف انعدام العقل .
سوف يكتشف أن عقله و مفاهيمه العقلية التي تعوَّد أن ينظر بها إلى الأشياء لا تصلح لحياته الجديدة .

سوف يكون كحيوان يمشي بلا رأس .. كحشرة قشرية تتحرك و تدُب بأرجلها .. و تتصرف بغريزتها .. و لا تفهم .. جندب ..أو جعران .. له قرون استشعار .. و له فم .. و له معدة .. و لكن ليس له عقل .

و سوف يكون عليه أن يكتشف بسرعة عقيدة جديدة و عقلاً جديداً ينظر به إلى ما حوله .. 
و ضميراً جديداً يعرف به الحرام و الحلال .

لن تختلف الإنسانية عن الهمجية و عن الوحشية آكلي لحوم البشر .. و لن يختلف الحب عن السِفاح الذي يحدث بين الإخوة و الأخوات .

إن أول خطوة خارج الأرض لن تكشف نسبية آينشتَين الرياضية فقط .. و لكنها أيضاً سوف تكشف النسبية الأخلاقية .

مَلّاح الأفلاك سوف يضع يده على نسبية الزمن .. و نسبية الحركة و نسبية الفضيلة .

سوف تختل أمامه جميع الموازين .
سوف يكون مثله مثل آدم .. يبدأ الخَلق من جديد .. !



من كتـــاب / تأمــلات في دنيــا اللــّـــه
المقال الثاني : هذيان ليلة صيف !